الجاحظ

414

الحيوان

وزعم لي أبو عتّاب الجرّار ، أنّه سمع الأكرة يخبرون أنّهم وجدوه قد خرق فلسا بصريّا [ 1 ] . وليس ذلك لشدّة الغمز وحدّة الرأس ، ولكنه يكون على قدر ملاقاة الطباع . ويزعمون أنّ الصّاعقة تسقط في حانوت الصّيقل [ 2 ] فتذيب السّيوف بطبعها ، وتدع الأغماد على شبيه بحالها ، وتسقط على الرّجل ومعه الدراهم فتسبك الدّراهم ، ولا يصيب الرجل أكثر من الموت . والبحريّون عندنا بالبصرة والأبلّة التي تكون فيها الصّواعق . لا يدعون في صحون دورهم وأعالي سطوحهم ، شيئا من الصّفر إلّا رفعوه ؛ لأنّها عندهم تنقضّ من أصل مخارجها ، على مقدار من محاذاة الأرض ، ومقابلة المكان . فإذا كان الصّفر لها ضاحيا ، عدلت إليه عن سننها [ 3 ] . وما أنكر ما قالوا . وقد رأيتهم يستعملون ذلك . وقد يسقط النّوى في تراب المتوضّإ ، فإذا صهرج [ 4 ] نبت ، فإذا انتهى إلى الصّاروج أمسك . وإن كان الصّاروج رقيقا فإن قيّر ، وجعل غلظه بقدر طول الإبهام ، نبت ذلك النّوى حتّى يخرق ذلك القار . ولو رام رجل خرقه بمسمار أو سكّة ، لما بلغ إرادته حتى يشقّ على نفسه . والذي سخّر هذه الأمور القويّة في مذهب الرّأي وإحساس النّاس ، هو الذي سخّر القمقم ، والطّيجن [ 5 ] ، والمرجل ، والطّست [ 6 ] ، لإبرة العقرب . فما أحصي عدد من أخبرني من الحوّائين ، من أهل التّجارب ، أنّها ربّما خرجت من جحرها في اللّيل لطلب الطّعم . ولها نشاط وعرام ، فتضرب كلّ ما لقيت ولقيها : من حيوان ، أو نبات ، أو جماد . وزعم لي خاقان بن صبيح - واستشهد المثنّى بن بشر ، وما كان يحتاج خبره إلى شاهد ؛ لصدقه - أنّه سمع في داره نقرة وقعت على قمقم - وقد كان سمع بهذا

--> [ 1 ] الفلس : من أجزاء الدرهم . [ 2 ] الصيقل : من يصقل السيوف ، أي يشحذها ويجلوها . [ 3 ] السنن : الطريق . [ 4 ] صهرج المتوضأ : عمل بالصاروج ، وهو النورة أو أخلاطها . [ 5 ] الطيجن : المقلى الذي يقلى فيه . [ 6 ] الطست : الطشت .